Ana Bölüme Geç
Kurani Hayat telefon

Kullanıcı girişi

Bir Ayet

“Rasul,
‘Ya Rabbi!’ diyecek,
‘Gerçek şu ki,
benim kavmim
bu Kur’an’ı devri
geçmiş bir mesaj gibi
terk etti!’...”
Furkan, 30

 

Kimler çevrimiçi

Şu an 0 kullanıcı ve 4 ziyaretçi çevrimiçi.

Ara.com.tr Türk Arama Motoru

مقال العدد - حول فهم الوحي

Ocak 12, 2010 yazan admin

مصطفى إسلام أوغلو

ترجمة: مروة داغستاني بارسيك

الوحي مائدة سماوية أنزلت لإشباع الأرواح الجائعة وكي يتذوق الإنسان من هذه المائدة عليه أن يشعر بأن روحه جائعة. عندما تشعر معدتنا بالجوع تقوم الأنزيمات بنقل هذا الإحساس للمراكز العصبية في الدماغ وتلعب دور "رسول" بين المعدة والدماغ وهذه الرسالات التي ينقلها الرسل هي التي تجعل الإنسان يشعر بالجوع وتدفعه للبحث عن طعام. هكذا تسير عملية إشباع المعدة لمواصلة الحياة إلا أن الأمر مختلف بالنسبة للروح إذ لا توجد أنزيمات تنقل الإحساس بالجوع للأرواح الجائعة لكن هناك "رسلا" اختارهم الله تعالى وبسط عز وجل وحيه الذي أرسله عبرهم كمائدة سماوية أمام الأرواح الجائعة.

ثمة شرط لتذوق هذه المائدة ألا وهو أن يدرك الإنسان أن الروح هي ربان سفينة الحياة فمن يجعل جسده ربان سفينة حياته يصل لموانئ الشهوة والمتعة، وسفن الحياة التي تتنقل بين هذه الموانئ لا يمكن لها أن "تشق طريقا" بل هي "تتجول" فقط ولا تصل بصاحبها إلى بر الأمان ومصيرها المقدر الغرق وسط العواصف أو الارتطام بالصخور.

إن الأرواح الجائعة التي تتذوق المائدة السماوية تهب للعمل فالوحي يسير لأفئدة هؤلاء الأشخاص وقلوبهم وكلامهم، ووجوههم وأبصارهم، وأيديهم وأقدامهم، وألسنتهم وشفاههم إلى أن يصبح ذلك الشخص ينطق بالوحي، به يرى وبه يمسك وبه يسير. وبفضل الطاقة التي تمده بها المائدة السماوية يتحول الشخص من "الخير السالب" إلى "الخير الفعال" وهو ما يرمي إليه الوحي بالأساس. تماما كما حوّل الوحي أول من خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخير الفعال بأمر "قم فأنذر" فإنه يرمي لإدخال كل من يخاطبهم في زمرة الأخيار الفعالين.

لكن ما الذي سيفعله الإنسان إذا ما تحول إلى الخير الفعال؟

سيعم الخير. وليتحقق هذا يجب أن يكون الإنسان فاعلا للخير وليس مفعولا به له وليكون كذلك يتعين عليه أن يكون "فاعلا" خالصا. إن كل فاعل يمتلك وعيا فما يحوّل الحركة إلى "فعالية" هو أداؤها عن وعي لأن الأخير هو ما يفرق بين الحركة والفعل، فالمفعول به يتحرك لكن الفاعل فقط هو من يقوم بالفعالية ويكون "فاعلا".

ثمة وجهان لعملية تمتع الإنسان بالإدراك: الوجه الأول هو الناظر للفطرة وهو البنية الدنيا، أما الوجه الثاني فهو الناظر للتربية وهو البنية العليا. في وجه الوعي الناظر للفطرة يتشكل الإنسان ككائن يتمتع بـ "إدراك الأنا". وكلما تطور هذا الإدراك لدى الإنسان تطور لديه الإحساس بالمسؤولية وهو ما يحث ضميره على الحركة، والضمير الذي يبدأ بالتحرك يلقن صاحبه التصرف الصحيح. أما وجه الإدراك الناظر للتربية فيشتمل على كافة مراحل تعلم وتربية الإنسان ويضفي الوحي على هذه المرحلة بالذات مساهمات إلهية وأصيلة ، صحيحة وحقيقية وهذا هو السبب الذي يجعل الوحي مشروع بناء إلهي.

إن الوحي ـ مشروع البناء الإلهي ـ يخاطب الإنسان لأنه خُلق ليكون فاعلا للحياة. ولأن الإنسان هو من سيبني الحياة فقد سُخرت له الأرض والسماوات، الشمس والقمر، البحار والأرض ولهذا السبب جعل الله الإنسان "خليفة على الأرض". وليؤدي الإنسان مسؤولية الخلافة على أتم وجه يتعين عليه أن يتتلمذ أولا على يد أستاذ هو الوحي. وإذا ما أراد الإنسان أن يكون أستاذا على وجه البسيطة عليه أولا التتلمذ على يد الوحي وتلقي التربية والعلم منه، والشرط الذي لا غنى عنه لذلك هو فهم الوحي.

الوحي خطاب مفعم بالمعاني

استخلصت كلمة معنى من عبارة "ما عناه" وهي تدل على "المعنى الذي يرمي إليه فاعل ذو شعور" وأساسا ليس هناك شيء "بلا معنى" سواء أكان ذلك الشيء فاعلا أم مفعولا به لأنه لم يخُلق شيء عبثا وكل ما له مقصد له معنى من كل بد. وسبحانه تعالى لا يعمل عبثا وكل ذي عقل سليم ينظر للأرض والسماوات نظرة متفكرة يقول ما علمه القرآن الكريم: "رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا" (آل عمران 3/191). وتعني كلمة باطل الواردة في الآية الكريمة "بلا معنى أو هدف" وضدها كلمة حق وهي تُستخدم في كل المواضع التي ترد فيها كنقيض لكلمة باطل وبمعنى "ذو معنى وهدف" مثال ذلك الآية 19 من سورة إبراهيم "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ" (قارن: العنكبوت 29/44؛ الروم 30/8). ومعنى ذلك هو: "لقد خلق الله الأرض والسموات وبناها بهدف ومعنى". ويتجلى هذا المعنى بشكل أوضح في سورة الأنبياء (21/18) حيث استخدمت كلمتي الحق والباطل جنبا إلى جنب: "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ" وتؤكد الآية الكريمة حقيقة أن الخلق ذو معنى وهدف وهو ما يدحض كافة مزاعم اللامعنى واللاغاية التي تتغذى عليها كل أفكار العدميين.

لم تخلق السموات والأرض فقط "بالحق" فالوحي أيضا نزل "بالحق": "وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ" (الإسراء 17/105. انظر أيضا: الزمر 39/2، 41). فالوحي خطاب ذو معنى أنزل ليدلل على الحقيقة المطلقة والهدف من إنزاله هو تحقيق ذلك. إن مبدأ المعنى والهدف لا ينطبق فقط على عموم وحي القرآن الكريم بل يتم التأكيد على أنه ينطبق كذلك على القصص والأمثال الواردة فيه ففي مطلع سورة الكهف ـ على سبيل المثال ـ التي تعتبر من أكثر السور التي تُستخدم فيها اللغة الرمزية للقرآن الكريم وترد فيها خمسة قصص/أمثال يقول المولى عز وجل: "نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ" (18/13). ومعنى ذلك "سنقص عليك بمعنى صحيح وبما يناسب الغرض". ولقد عمد المفسر الكبير الزمخشري في كتابه "الكشاف" لتفسير كلمة بالحق الواردة في الآية الكريمة بـ "الغرض الصحيح". وبالشكل نفسه تؤكد سورة البقرة بعد قصة طالوت وجالوت أن هذه القصة قد قُصت "بالحق" أي "بهدف وغرض" (2/252). وفي مطلعها تؤكد سورة القصص أيضا ـ التي تروي لنا العديد من قصص الأخيار والأشرار ـ على أن هذه القصص قُصت "من أجل معنى وغرض صحيحين" (بالحق) (28/3).

إن للقرآن الكريم معنى لأن له هدف ومعاملته كما لو كان لا يحمل معنى لهو تجريد له عن هدفه المتمثل بإخراج عقول من يخاطبهم من الظلمات إلى النور أي توجيهها للطريق القويم (هدايتها). ولا يمكن إدراك الهدف من نزول القرآن الكريم أي الهداية إلا بفهم معناه.

كل من يتحدث يرد أن يُفهم والله منبع المعاني لا يتحدث كي لا يفهم فهذا عبث والله منزه عن العبث. كل الموجودات التي خلقها الله ـ وليس كلامه فقط ـ تتحدث أيضا بألسنتها وتنبئ عن نفسها بأشكالها وأوصافها، بليونتها وقساوتها، ببرودتها وحرارتها، بلونها ورائحتها، باصطفاف جزيئاتها ونسيجها، بمكانها وموقعها، بحالتها ووضعها وهي بذلك عالم ذو معنى وسط العالم. وإذا ما كان تفتح الزهور وتغريد البلابل ونزول الصواعق ورعد السماء تحمل كلها معان وغايات فهل يعقل أن يكون كلام الله بلا غاية؟

لا يمكن توثين شيء إلا بتجريده عن معناه وغايته. والأقوام القديمة عبدة الأصنام اتخذت من الشمس والقمر والنهر والجبل والذئاب والعصافير والبقر والثيران وغيرها أوثانا عبدتها. وكانت بداية هذا الضلال فصل تلك الموجودات عن معنى وهدف وجودها وهي لم تتحول لأوثان إلا بعد ذلك فقط. وبالمثل لا يمكن تحويل القرآن الكريم لوثن إلا بتجريده عن معناه وهدفه وأول ما يتعين على كل من يتجرأ على تحويل الوحي لوثن هو تجاهل كونه خطابا ذو معنى.

فهم القرآن الكريم فرض

قد يقول قائل "حسن، إن للوحي معنى إلا أن فهمه عصي على المؤمنين العاديين أمثالنا". إن قولا كهذا عبثي لا أصل له بقدر النظر للوحي كـ "خطاب بلا معنى" على الأقل. وتصور كهذا ـ لهو لعمري ـ أكثر مكرا من محاولات تجريد الوحي عن معناه وهدفه.

الوحي مرشد للطريق القويم أنزله رب العالمين على يد نبي أرسل رحمة للعالمين (لكافة البشر). والوحي "مصدر هَدي البشرية" (هدى للناس) فأحد أشكال الخطاب التي يستخدمها هي "يا أيها الناس!" وكل من يعتبر نفسه في منأى عن هذا الخطاب لا يعتبر نفسه فردا في عائلة البشرية.

لقد كانت كلمة "اقرأ!" هي أول كلمة وأول أمر في نفس الوقت في وحي القرآن الكريم الذي امتدت فترة نزوله على 23 عاما وهذا الأمر يحمل معنى واسعا جدا وهو يعني أول ما يعنيه "افهم!" إذ لا حاجة لقول كلمة "افهم" عند قول "اقرأ!" لأن المراد من القراءة هو الفهم ولو قيل "اقرأ ولا بأس إن لم تفهم" فمعنى هذا أن الخطاب ـ النص المقروء ليس ذو مغزى. وقول هذا على القرآن الكريم الذي يصف نفسه بالـ مبين (الواضح المفهوم) لهو إهانة ما بعدها إهانة.

إن النبي محمد صلى الله عليه وسلم أول من خاطبه الوحي قد قرأه وفهمه وعاشه وشرحه. إلا أن تأدية الرسول الأكرم لمسؤوليته بفهم القرآن الكريم لم تدفع الصحابة للقول "طالما أنه قام بمسؤوليته فهذا يعفينا عن مسؤوليتنا" بل على العكس لقد واصل الصحابة بدورهم محاولات فهم القرآن الكريم. وبالشكل نفسه لم يتخذ الجيل اللاحق أيضا محاولة الصحابة فهم القرآن الكريم ذريعة للادعاء بأنهم قد أعفوا عن تأدية هذه المسؤولية بل على العكس لم يدخروا هم أيضا جهدا لفهمه. واستمر الأمر على هذا المنوال وأبرز دليل على ذلك ظهور عدد لا يحصى من التفاسير وكتب علوم القرآن.

هذه المسؤولية تنطبق علينا نحن أيضا فكل جيل شاهد على عصره وهو ينطلق ‘الآن ومن هاهنا’ ويدعو "رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ" لأن أمر وتحذير "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ" (النساء 4/82) مسؤولية في أعناق الأجيال اللاحقة بقدر ما كان مسؤولية بأعناق الأجيال السابقة والمبدأ القرآني "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى" (الأنعام 6/164) لا يدع مجالا للتصرف وكأن مسؤولية فهم القرآن الكريم مقتصرة على بعض الأجيال دون بعضها الآخر.

إن فهم القرآن أمر إلهي وهو "أمر الأوامر" لأن غاية القرآن ‘الهداية’ لا تتحقق إلا بفهم الكلام الإلهي ومن أهم قواعد الفقه الإسلامي قاعدة "ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض". والحياة بهدي القرآن وإحياؤه مسؤولية يضعها الإيمان في أعناق المؤمنين والشرط الذي لا غنى عنه لأداء هذه المسؤولية هو فهم القرآن الكريم فما لا يفهمه المرء لا يستطيع أن يحياه أو أن يحييه لذا كان فهم القرآن ـ أصل كل الفروض ـ ليس مجرد فرض بل هو "فرض الفروض".

فهم القرآن يعني فهم المراد الإلهي

    هنا قد يطرح البعض أمرا من قبيل: "أجل لا بد من فهم القرآن للعيش به لكن العقول مختلفة والمدارك متباينة والمفاهيم متباينة والتجارب متباينة والمعارف متباينة والاهتمامات متباينة... ألن يكون فهم القرآن أيضا متباينا وسط كل هذا التباين؟ وإذا ما كان الحال كذلك ألن تكون هناك عدة تفاسير مختلفة للمصدر الواحد؟ ألا يتناقض هذا مع هدف الوحدة للقرآن والدين؟".

بداية يجب أن يكون المراد من فهم القرآن هو فهم المراد الإلهي وإذا لم يكن هذا هو الهدف يكون ذلك "تلفيقا على الكتاب" وليس "طاعة للكتاب".

    إن مطيعي الكتاب لا يألون جهدا في فهم المراد الإلهي بالتدبر والتذكر والتعقل والتفقه والتفكر دون الفصل بين ثلاثي اللفظ ـ المعنى ـ المقصد.

هنا بات واجبا استحضار هذا المقطع من كتاب "القرآن كتاب الحياة":

"يجب ألا يكون المعنى مناقضا للفظ ولا المقصد مناقضا للمعنى. وبالتأكيد يجب ألا يكون اللفظ حجابا على المعنى ولا المعنى حجابا على المقصد. وبعبارة أخرى يجب ألا يكون اللفظ حجابا على التفسير ولا التفسير حجابا على المعنى ولا المعنى على المفهوم ولا المفهوم على المقصد ولا المقصد على الحقيقة. لا يمكن بلوغ المعنى بتجاهل اللغة ولا يمكن أبدا تجاهل القالب الذي يرد فيه المعنى". (مدخل، XX).

إن فهم المراد الإلهي ليس حكرا على أحد وللحيلولة دون "احتكارات للفهم" قد تقع فرّق القرآن منذ البداية بين "أم الكتاب" و"المتشابهات". حيث لا تعطي الآية السابعة من سورة آل عمران التي ورد فيها هذا التصنيف "ضمانة الفهم" لأي شخص أو فئة بقولها "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ" وتقصر الآية الكريمة فهم القرآن على الله تعالى. وتؤكد بعد ذلك أن الراسخين في العلم سيقولون "آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا" (آل عمران 3/7) عوضا عن جعل تفسيرهم لبعض الآيات التي تحتمل أكثر من معنى حقيقة مطلقة.

تدعو الآية المذكورة من حيث المقصد الجميع للقراءة والفهم عوضا عن حصر ذلك بفئة مختارة فقط وهي تحول ضمنيا ومنذ البداية دون تشكل "احتكارات لمعنى" القرآن الكريم. إلا أن هذا لا يعني أنه بوسع أي شخص تفسير القرآن وفق هواه وأن يتقول عليه ما يخطر بباله ويطمئن أهواءه وهواجسه بكلام الله ومن يفعل ذلك يكون شخصا لا ينظر للقرآن الكريم كفاعل بناء وإنما كمفعول به لأن من يؤمن بالقرآن كفاعل بناء لا يقرأه ليبنيه بل ليبني نفسه به. أجل إن القرآن فاعل وهو ما يمكن فهمه بسهولة من الصفات التي يستخدمها لوصف نفسه بها مثل المجيد، الكريم، العزيز فهذه الصفات جميعها تدل على أنه فاعل وحتى أنها واردة بصيغة اسم فاعل مبالغ وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن القرآن فاعل بناء على أرفع المستويات. والإنسان الذي يتعين عليه فهم القرآن هو أيضا فاعل لذا كانت قراءة القرآن حوار بين فاعلين والقرآن يقرأ قلب من يقرأه من القلب ويجب على تساؤلاته.

إن الطريق للحيلولة دون التقول على القرآن الكريم ومعاملته كمتهم في قفص الاتهام ليست الحيلولة دون جهود نشر فهم القرآن فهذا ليس ممكنا أساسا. لا توجد في العالم قيمة لم تستغل ولو كانت هناك قيمة لا يمكن استغلالها لكان يجب أن تكون هذه القيمة هي الله تعالى، لكن وبما أن القرآن يخبرنا عن وجود من يستغل هذه القيمة أيضا فهذا يعني أن الله بجلاله لم يحل دون ذلك ومن المحال على العبد أن يحول دون شيء لم يحل الله دونه. وما وضع سدود عشوائية أمام فهم القرآن بحجة أن هناك من يستغله سوى "استغلال للاستغلال".

القرآن لا يريد منا حفاظا بل فهما

كما أن استغلال الذين يحاولون بناء القرآن عوضا عن بناء أنفسهم به لا يضر القرآن شيئا، فإن الذين يحولون دون فهم القرآن باستغلال الاستغلال لا يخدمون القرآن بل على العكس يلحقون به ضررا أكبر من الآخرين.

ولعل أبلغ إجابة على سؤال "لماذا لا يلحق من يحاول بناء القرآن عوضا عن بناء نفسه به الضرر بكتاب الله؟" تكمن في السطور التالية من تفسير القرآن الكريم:

"يُعتقد أنه من السهولة بمكان إقحام معنى على القرآن الكريم كونه ينتهج الأسلوب الخطابي ـ النصي وبأنه يسهل التقول عليه كرها وبأنه لن يستطيع التكلم عند تحميله معان وجعله عرضة لأحكام مسبقة وهذه القناعة منتشرة نوعا ما إلا أنها غير صحيحة. فالقرآن الكريم كالكائن الحي تماما تلفظ بنيته ما ليس منها وما يخالفها وحتى لو أقحم عليها غصبا أمر ما سواء عن طريق التفسير أو التأويل أو اللغة أو الفقه أو علم الكلام فإنه ومع مرور الوقت يبوح بشكل أو بآخر لأولي النهى الذي يسلمون أنفسهم له ليبنيهم ويقول لهم إن ذلك الشيء "ليس مني". وتاريخ التفسير حافل بأمثلة من هذا النوع فالقرآن الكريم يتمتع بأسلوب إعجازي في الحفاظ على نفسه وهذا النظام يتجلى أحيانا في الجزء وغالبا في الكل وهو أشبه ما يكون بالهولوغرام (الصورة المجسمة ثلاثية الأبعاد) كل عنصر فيها يحمل في نفسه صفات الكل وصفات الجزء. وتماما كخلايا الجسم الرئيسية تحمل أجزاء القرآن الكريم هوية الكل الذي تنتمي إليه". (القرآن كتاب الحياة، المقدمة، XXI).

بالتأكيد لن يتمكن الجميع من إحراز النجاح نفسه لدى محاولته فهم المراد الإلهي إلا أنه لا يمكن للشخص اتخاذ ذلك ذريعة تعفيه من محاول فهم القرآن فالكل سيجد عند الله مكافأته على الجهود التي يبذلها بنية خالصة سواء نجح في مساعيه أم لم ينجح. وبما أن العقول مختلفة فإنه من الطبيعي جدا أن تختلف المفاهيم وهذا الخطر ليس مقتصرا على الأجيال التي تلت جيل الصحابة فقط بل كان موجودا في زمنهم هم أيضا وأبرز دليل على ذلك الحديث الوارد في صحيح البخاري عن عدي بن حاتم الذي ظن أن عبارتي "الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ" و"الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ" ـ الواردتين في الآية 187 من سورة البقرة مجازا ـ مستخدمتان بمعناهما الحقيقي فكان يضع تحت وسادته خيطان ليعرف منهما وقت انتهاء السحور حتى صحح له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. وقال النبي عليه الصلاة والسلام لعدي بن حاتم عندما سأله أهما الخيطان؟ "إنك لعريض القفا" (التفسير، II، 28). وإن كان هناك احتمال أن تكون هذه الحادثة قد وقعت عقب وفاة النبي (ص) إلا أنها وردت في الكتب كمثال على اجتهاد وتفسير الصحابة. وإذا ما وضعنا مثل هذه الأمثلة البريئة جانبا فقد عارض الخلفاء الراشدون في عهدهم إقامة الحد على الذين كانوا يرتكبون أعظم الذنوب بتفسيرهم بعض الآيات القرآنية تفسيرا لا علاقة له بمعناها الأصلي وحتى بعكس معناها بدعوى أن تفسيرهم كان يعتمد تأويلا وإن كان هذا التأويل باطلا. وهذا أفضل مثال على أن الصحابة كانوا يرفضون سد الطريق أمام التفكر حتى في المجالات التي يمكن أن يقع فيها استغلال.

أحد الاعتراضات التي يقول بها مستغلو الاستغلال هو التالي "إذا لم يكن الشخص الذي يسعى لفهم القرآن عالما فعليه إذا الرجوع للتفاسير وفي هذه الحالة سيكون قد تعلم تفسير الشخص الذي قرأ له وليس مراد الله".

  إذا ما كان ذلك الشخص يهتم حقا بتعلم دينه فإن الحجة التي يقولها بالنسبة للقرآن الكريم ستكون سارية أكثر بكثير على المصدر الذي يتعلم منه القرآن بغض النظر عن ذلك المصدر. ولو كانت هذه الحجة صحيحة لكان يجب قصر المذاهب كلها على مذهب واحد والتفاسير كلها على تفسير واحد وأن يعتبر رأي أحد الصحابة فقط، الذين كانت آراؤهم تختلف عن بعضهم بعضا، رأيا سديدا ونبذ آراء الصحابة الآخرين ولكان يتوجب علينا القضاء على وجهات النظر والتوجهات المختلفة داخل المذهب الواحد. وهذا الأمر ينطبق على كل شيء فلو قارنا مثلا بين نسختي البخاري (الفربري والنسفي) المستقيتان من مصدر واحد فإن الفرق بينهما كاف لإثارة ذهولنا. فإذا كيف يمكن أن نطلب من العقول التي ليست نسخا متطابقة أن تنجح بما لم تنجح به نسختان استقتا من مصدر واحد؟ وكمثال معاصر على ذلك، هناك بديع زمان  واحد فقط لكن قولوا لي بربكم كم فئة من النوريين يوجد في يومنا هذا؟

القرآن الكريم هو باب الدين الرئيسي والنبي الكريم (ص) ولج لهذا الدين من باب القرآن والصحابة أيضا ولوجوا من نفس الباب. إن الحديث والفقه وعلم الكلام والحكمة والتصوف وغيرها كلها بمثابة غرف داخل مبنى الدين لكن لا يمكن لها أبدا أن تكون بابا للولوج إليه وإذا ما فُتح باب آخر في مبنى الدين غير باب الوحي فإنه سيكون بابا غير شرعي فتح عنوة والداخلون منه داخلون غير شرعيين. إن رغبة كل مشرب فتح باب دخول خاص به لا يضعف مبنى الدين فحسب بل يختزل الباب الرئيسي للمبنى أي القرآن إلى "باب من الأبواب" ووبال هذا عظيم.

الاختلاف موجود في طبيعة الحياة. الاختلاف فرق وبعض الفروق آية من آيات الله ومحاولة القضاء عليها يخالف سنة الله و آياته. إن الأشخاص الذين يبنيهم الوحي يختلفون لكنهم لا يقعون في التفرقة ولعل أفضل مثال على ذلك هو الاختلاف بين علي وعثمان رضي الله عنهما، فيوم شهادة عثمان (ر) أعد علي (ر) ولديه فلذتي كبده الحسن والحسين وأرسلهم لحراسة منزل عثمان (ر) طالبا منهما أن يفتدياه بروحهما. والفرق بين الذين يبنيهم الوحي والذين لا يبنيهم كبير كالفرق بين قتل عثمان (ر) والذود عنه رغم وجود خلاف كبير معه.

كل هذه النماذج تظهر أن القرآن لا يريد منا حفاظا بل فهما.

الرجوع للمعنى شكر من العبد لفضل الرب

بالتأكيد لا يمكن أن يفهم الجميع الأشياء ذاتها من الوحي فالكل ينهل منه بحسب عقله وإيمانه وإخلاصه وعلمه وتجاربه وجهده وحكمته وهمته فبحر معاني الوحي أعمق من المحيطات أوليس "وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ" (لقمان 31/27) وهذا يعني أن كل من يسعى لفهم القرآن الكريم سينهل من هذا المحيط بقدر وعائه.

إن محاولة فهم الوحي تعني وبتعبير القرآن الكريم "إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" (الأنفال 8/24). إن الحياة بهدي الوحي تعني في نفس الوقت إحياء الوحي والعكس صحيح فكل تصور يوثَّن الوحي بتجاهل معناه إنما يقطع الشرايين التي تحييه وصلته الصحيحة بالحياة وهذا ما ينجم عنه كثير من النتائج السلبية بعضها أسوأ من بعض كاختزال القرآن بالمصحف، والخطاب الإلهي باللفظ، وأمر القراءة ترتيلا بالتجويد، والحمل (تحمل المسؤولية) بالحفظ. والمصيبة التي نسميها "تحويل الوحي إلى مفعول به" إنما هي النتيجة الشاملة التي تسبب بها هذا التصور.

إن جعل الوحي مفعولا به لا يعني الابتعاد عن القرآن الكريم بل الابتعاد عن معنى الوحي أي أن يتعامل المسلمون مع القرآن كما عامل اليهود التوراة وهو بالضبط ما تتحدث عنه الآية الخامسة من سورة الجمعة: تبجيل الورق الذي كتب عليه الوحي والخط الذي كتب به والغلاف الذي حفظ به لكن تجاهل معناه وطلبه بإنشاء حياة بمقتضى هذا المعنى. إنه وبعبارة أخرى اتخاذ القرآن مهجورا (بلا وظيفة) وليس متروكا كما يرد في الآية 30 من سورة الفرقان.

إلا أن هدف الوحي واضح:

حياة مركزها الإنسان.

إنسان مركزه الإيمان.

إيمان مركزه المعرفة.

معرفة مركزها الحقيقة.

أما مركز الحقيقة فجلي: الحق تعالى أي الله.

لقد نزل الوحي لتحقيق هذا الهدف وكان "فاتحا" حقيقيا ببنائه حياة الجيل الأول وكان بناء الوحي بناء ما بعده بناء فقد حوّل شخصا كأبي ذر من شقي إلى ولي. أما تأثيره على عكرمة بن أبي جهل فكان حتى النخاع لدرجة أنه بات يداعب القرآن الكريم كما يداعب الحبيب حبيبته ويحتضنه ويقبله قائلا "إنه كتاب ربي! إنه كتاب ربي!". فهلا قارنتم بين تقبيل عكرمة لكتاب الله وبين الذين يقبلون القرآن دون حتى أن يعرفوا ما كتب فيه أو أن يسعوا لبناء أنفسهم به.

إن الأشخاص الذين بنتهم يد الوحي قد بنوا الأرض. لقد كان الوحي فاعلا بالنسبة لهم وكانوا هم فاعلين بالنسبة للحياة وفي ذاك الوقت حددت الأمة الإسلامية مسار التاريخ، والإنسانية هي التي تدفقت في ذلك المسار. لكن وللأسف حول المسلمون الوحي إلى مفعول به وعندها عوقبوا بأن أصبحوا هم أيضا مفعولا به للتاريخ.

لقد كان المقصد في هذه المرحلة هو أول ما انسلخ عن ثلاثي اللفظ ـ المعنى ـ المقصد حيث تحولت الآيات لمجرد براهين يثبت بها الأشخاص نظرياتهم دون النظر إلى معانيها وبقى المعنى واللفظ، ثم وفي المرحلة التالية انسلخ المعنى عن اللفظ الذي بات وحيدا. في كل خطوة كان يزيد وهن بناء المعنى أكثر فأكثر إلى أن توقف في نهاية المطاف إنتاجه. يمكننا تصنيف مرحلة تحويل الوحي إلى مفعول به على النحو التالي:

1)    عند تجاهل المقصد غاب المعنى عن النظر ولم يعد بوسعه أن يكون منتجا.

2)    شيئا فشيئا بات ينظر للمعنى غير القادر على الإنتاج كعنصر يمكن تجاهله.

3)    ولتلافي النقص الذي تشكل بالنتيجة بدأ تبجيل اللفظ وحده.

4)    بات اللفظ المبجل موضوع حس وليس موضوع معنى.

5)    بعد أن أصبح اللفظ موضوعا حسيا بات مفعولا به لذا أصبح من السهل إقصاؤه خارج الحياة وبالنتيجة أقصي الوحي بيد أصدقائه والمؤمنين به وليس بيد أعدائه عن كونه فاعلا يبني الحياة.

ما يجب فعله الآن جلي ألا وهو أن نعكس هذه العملية وأن نقول "لبيك" لما يطلبه القرآن الكريم منا وأن نجعله يلتقي من جديد بمعنى الحياة... إن هذا ليس مجرد دين لله على المؤمنين فحسب بل هو أيضا شكر لفضله تعالى وإن لم نفعل ذلك يُخشى أن نكون ممن سيشتكيهم رسول الله لله يوم الحساب.

إن للقرآن الكريم معنى لأن له هدف ومعاملته كما لو كان لا يحمل معنى لهو تجريد له عن هدفه المتمثل بإخراج عقول من يخاطبهم من الظلمات إلى النور. ولا يمكن إدراك الهدف من نزول القرآن الكريم أي الهداية إلا بفهم معناه.

 

Share/Save

 

© 2010 Kuranihayat.com

İzinsiz ve kaynak gösterilmeden kullanılamaz. Ancak kaynak gösterip link vererek kullanabilirsiniz.

 

Aktif Medya